المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : بوارج بريطانية تشن الحرب على جدة وتمطرها بالقنابل


المهندس / سعيد المعـلوي
11-28-2008, 05:52 AM
http://al-madina.com/files/imagecache/node_photo/files/rbimages/1227824520057000800.jpg (http://al-madina.com/node/77400)

عاشت جدة القديمة العديد من الاحداث الساخنة التي تركت خلفها ذكريات لا تزال باقية إلى اليوم رغم مرور سنوات طويلة عليها.. ومن تلك الاحداث ما كانت تتعرض له جدة خلال الحرب العالمية الثانية وبالتحديد في عهد الحكم التركي حيث كان لجدة نصيب من شظايا هذه الحرب باعتبارها مدينة ساحلية على ضفاف البحر الأحمر تقع تحت حكم الدولة العثمانية.. وتواصلاً مع جولتنا في ذاكرة العم محمد درويش رقام نجدد اليوم لقاءنا معه في حديثه الممتع عن مدينة جدة القديمة وأهلها والزمن الجميل والصعب الذي كانت تعيشه في منتصف القرن الرابع عشر.. لم اخطط لأسئلة معينة لكنني بادرته بالحديث عن الحرب العالمية الثانية وسألته عن أبرز الاحداث التي رافقت تلك الحرب وشهدتها مدينة جدة فقال:
كانت الخلفية السياسية حاضرة في المنطقة وكانت مدينة جدة مسرحاً لبعض المواجهات العسكرية في ذلك الوقت بين الجانبين البريطاني والتركي فقد كانت البوارج البريطانية ترابط قبالة ساحل جدة وتقذف بالقنابل من عرض البحر باتجاه المواقع العسكرية للجيش التركي المتواجدة على الشريط الساحلي وخاصة في منطقة (المشورة) التي كانت أكثر هذه المناطق تعرضاً للقصف حيث يوجد فيها العديد من الاستحكامات والمدافع بجانب ثكنة عسكرية تركية هي الأكبر في مدينة جدة، وموقع هذه الثكنة بالتحديد هو المقر الحالي لمبنى فرع مؤسسة النقد العربي السعودي وما جاورها.
كانت البوارج البريطانية تضرب هذا الموقع بشكل مكثف طوال فترة الحرب لحساسيته ومواجهته للبوارج الراسية في بحر جدة، وكانت دفاعات الجيش التركي ترد بطريقتها على هجمات البوارج البريطانية ومما يدل على كثافة الضرب في تلك المنطقة أنه بعد انتهاء الحرب وجد الناس فيها كميات كبيرة جدا من القنابل ( القلل ) حتى أنهم اطلقوا على الموقع اسم ( خرابة القلل )، وهناك مواقع عسكرية اخرى للجيش التركي في جدة منها الثكنة العسكرية والحامية التركية القريبة من باب مكة وبالتحديد في الموقع الحالي لعمارة باخشب وقبلها كانت قهوة لأحمد طوال.. كما توجد حامية اخرى كانت ملاصقة لصحية باب شريف من الناحية الجنوبية، وهناك حامية تركية قريبة من الطابية ( خفر السواحل ) لحماية الطرف الجنوبي الغربي من جدة، بالاضافة الى الحراسات والمدافع التي كانت ترابط عند بوابات سور جدة الغربي.. كل هذه المواقع العسكرية كانت محصنة بالاستحكامات والمدافع وقد استهدفتها الغارات البريطانية طوال فترة الحرب.
* ألم تكن لهذه الحرب انعكاساتها على أهل جدة، وهل تعرضت بيوتهم ومصالحهم للضرر؟
- رغم ضراوة الحرب والهجمات المتبادلة بين الجانبين البريطاني من البحر والتركي من البر إلا أن أهل جدة لم يلحق بهم ضرر مادي في مباني بيوتهم وممتلكاتهم إلا ما ندر حيث كانت البوارج البريطانية تستهدف بدقة المواقع العسكرية التركية، لكن هناك تأثيرات أخرى لهذه الحرب من نواح اقتصادية نتيجة تعطل حركة البواخر التجارية في الميناء ( البنط ) وامتناع الوارد كما كانوا يقولون.. وكذلك حالة القلق والاضطراب التي انتابت الناس حتى وضعت الحرب اوزارها فعادوا لممارسة حياتهم بصورة طبيعية.
* ولكن يقال ان كتيبة عسكرية من البحرية الايطالية نزل افرادها الى شاطئ جدة وتوغلوا في حاراتها بملابسهم العسكرية حتى تم القبض عليهم، فهل كان ذلك في إطار المواجهة بين الجيش التركي والبوارج البريطانية؟
- لا.. لم تكن هذه الحادثة ضمن تلك المواجهة ولا في نفس الفترة..وما حدث بالنسبة لهذه الواقعة هو ان باخرة هولندية كانت تحمل آخر فوج من الحجاج الجاوه في شهر جمادى الثانية تقريبا وكانت قد غادرت بحر جدة في الوقت الذي كانت الطائرات البريطانية تحاول ضرب البوارج الايطالية في المياه الاقليمية في البحر الاحمر المواجهة لمدينة جدة واشتبكت معها الا ان الطيران الحربي البريطاني تلقى اشارة من الباخرة الهولندية المقلة للحجاج والقريبة من الموقع بأنها في المنطقة الساخنة حتى لا تتعرض للقصف من جانب الطيران البريطاني، وفي ذات الوقت كانت هناك طائرة ايطالية تقوم بدور الحماية للبارجة الايطالية في نفس المنطقة فهربت الطائرة من الموقع في حين قامت البارجة بعملية انزال اضطراري للجنود الذين كانوا على متنها الى البحر طلبا لسلامتهم وغادرت بسرعة فما كان من هؤلاء الجنود الايطاليين الا السباحة باتجاه الشاطئ القريب وهو ( شاطىء جدة )، وعندما وصلوا الى الشاطئ تبين انهم في موقع يقال له ( البضيع ) يتجمع فيه - عادة - الصيادون، ثم اتجهوا بعد ذلك الى موقع آخر يسمى ( الطفية ) حتى وصلوا الى منطقة الخمرة والتقوا هناك ببعض الرعاة وسلكوا طريقهم مشيا على الاقدام عبر حي الثعالبة ثم القريات ثم دخلوا حي الهنداوية وجميع هذه المناطق كانت خارج السور، وكانوا خلال مسيرتهم لا يترددون في انتزاع أي مأكولات او مشروبات يصادفونها في طريقهم من فرط الجوع الذي كانوا يشعرون به. ومع اقترابهم من باب شريف صدرت اوامر أمنية بمحاصرتهم من قبل قوات الشرطة واقتيادهم الى الثكنة العسكرية ( القشلة ) في مقرها القريب من باب جديد حيث تم احتجازهم هناك حتى تم ترتيب نقلهم من القشلة الى الجزر الثلاث في جنوب بحر جدة وهي جزر ( الواسطة ، ابو سعد ، ابو علي ) وظلوا هنالك فترة من الزمن قاربت الاربع سنوات وكان جلالة الملك عبدالعزيز قد أمر بقيام سنابيك شراعية برحلات يومية الى تلك الجزر لتزويد هؤلاء الجنود بما يحتاجونه من طعام ومياه ومستلزمات اخرى وعلاجهم طوال فترة اقامتهم حتى تم اخلاؤهم من تلك الجزر وعادوا الى بلادهم.
* كيف كان تفاعل أبناء جدة مع الخدمة العسكرية ، وماذا عن الجهات الحكومية المختصة بهذا الجانب في تلك الفترة؟
- كان التفاعل كبيراً للالتحاق بالقطاع العسكري الذي كان يقوده بنجاح سمو الامير منصور بن عبدالعزيز وزير الدفاع في ذلك الحين، فقد اهتم سموه بتطوير كافة القطاعات العسكرية وجذب الشباب السعودي للانخراط في الخدمة العسكرية ووفر لهم كل الامكانات والحوافز والمميزات ومن مظاهر ذلك الاهتمام تأسيس المدرسة العسكرية في الطائف والتي كانت تختص بالتجنيد العسكري حيث تستقبل الطلاب من خريجي المرحلة الابتدائية الذين تقوم إدارة المعارف بتزويد اسمائهم لوزارة الدفاع ليتسنى لهم الالتحاق بالخدمة العسكرية فيلتحقوا بهذه المدرسة ويتخصصوا في مجالاتها المختلفة كالطيران العسكري وسلاح المدفعية والمشاة وغيرها.. وقد التحق عدد كبير من ابناء مدينة جدة بهذه المدرسة حيث كان الطالب يحصل على مكافأة شهرية مجزية بالاضافة الى التعليم المجاني والاقامة والمعيشة حتى يكمل تعليمه في مجال تخصصه ويتخرج بعد ذلك لخدمة الوطن.
واذكر أنه كان إلى جانب سمو الامير منصور بن عبدالعزيز بعض الرجال العسكريين المؤهلين ومنهم نائب وزير الدفاع الشيخ محمد شيخو، وهناك بعض من الضباط الذين عملوا في المدرسة العسكرية وكانوا يقومون بتدريب الطلاب وفي مقدمتهم مدير المدرسة العسكرية الشريف محسن الحارثي وكذلك حسين كردي واللواء بحري الدباغ.. وفي فترة ما بعد حرب فلسطين 48م تخرج من هذه المدرسة الأخ أكرم خوجه والأخ عمر بلخي والأخ محمد حسن مسعود وآخرون، وقد سبق لي أن تشرفت بالالتحاق بهذه المدرسة العسكرية إلا أنني لم أكمل مراحل التعليم فيها وعدت الى عملي في إدارة البرق والهاتف، واذكر أنني كنت اشاهد سمو الأمير منصور بن عبدالعزيز يحضر الى هذه المدرسة ويتفقدها ويقام له حفل خاص يستقبل فيه جميع طلابها ويتابع كل شؤون المدرسة والطلبة ويستفسر من الطلبة عن الخدمات التي تقدم لهم وعن مدى ارتياحهم لما يقدم لهم في المدرسة كما يستمع اليهم ويحرص على حل مشاكلهم ويلبي العديد من طلباتهم.. ومن زملائي في تلك الفترة عبدالقادر سلامة وحسين خياط وحامد فودة الذين اكملوا المشوار وتخرجوا وعملوا في القطاع العسكري.. كما التحق بالمدرسة بعد دفعتنا الأخوة لطفي يحيى بخاري وحسن محمد احمد بخاري وصالح محسن عجلان وفواز دخيل وعلي بغدادي وفؤاد منصوري الذين أكملوا التعليم فيها وتخصصوا في الطيران الجوي.. وظلت المدرسة العسكرية في الطائف تواصل تخريج الشباب السعودي المؤهل واصبحت مضرب المثل ومطلباً لمئات الطلبة الراغبين في خدمة الوطن من خلال هذا القطاع.
* عم محمد.. كان انفتاح جدة القديمة على العالم في منتصف القرن الرابع عشر سبباً في تواجد العديد من الجاليات غير العربية.. فهل تذكر لنا جنسيات تلك الجاليات؟
- تعتبر الجالية البريطانية والجالية الفرنسية والجالية الايطالية والتركية والايرانية والهولندية من اكثر الجاليات غير العربية المتواجدة في جدة خلال تلك الفترة بحكم عملهم في القنصليات ويرتفع عدد افراد هذه الجاليات خلال موسم الحج لدخول رعاياهم من المسلمين القادمين من دول اسلامية خاضعة للحكم البريطاني او الفرنسي او الايطالي ايام الاستعمار.. والحقيقة أن تلك الجاليات كان لها نشاطات عديدة بما فيها النشاط التجاري وساهمت بشكل ملحوظ في تعزيز انفتاح أهل جدة على الثقافات المختلفة وتأثرهم بما لدى هذه الجاليات من مظاهر حضارية في شتى المجالات.
* بمناسبة أننا هذه الايام في الأشهر الحرم وموسم الحج هل شهدت جدة قديما بعض الحوادث التاريخية المتعلقة بهذا الموسم ولا تزال في ذاكرة اهلها الذين عاصروا ذلك الزمن الجميل؟
- تحضرني الآن حادثة مروعة عاشتها جدة عام 1350 هـ عندما احترقت باخرة الحجاج ( آسيا ) وهي باخرة فرنسية الصنع ووكيلها ( شركة البس ) في مدينة الحديدة باليمن.. وبدأت القصة عندما كانت الباخرة تستعد للابحار من بحر جدة وعلى ظهرها ما يقارب 400 حاج يمني كانوا قد أدوا مناسك فريضة الحج وسيعودن الى مدينة الحديدة، كانت كل الامور طبيعية للغاية واكتمل طلوع الركاب الحجاج وشحن كافة امتعتهم وبضائعهم.
كانت الفرحة بإتمام مناسك الحج تسيطر على مشاعر الركاب واحاديثهم، وفجأة شعر الجميع بحرارة تنبعث من اسفل الباخرة، ثم تزايدت شيئا فشيئا فبدأ السؤال يتردد على ألسنة الركاب عن مصدر هذه الحرارة ولم يلبث أن تحول الوضع الى كارثة باشتعال الباخرة فجأة وبشكل سريع وسط حالة من الفزع الشديد الذي انتاب الجميع وتعالي الصرخات التي تردد صداها في كل انحاء الباخرة، وخالطها من خارج الباخرة دوي صفارات الانذار والاستغاثة من البواخر القريبة من الباخرة المحترقة على أمل انقاذ ركابها من الموت الذي احاط بهم من كل جانب.. لكن لم يتم التجاوب لا من البحر ولا من البر بسبب ضعف الامكانات في ذلك الوقت للتعامل مع حريق هائل كهذا شب في باخرة ضخمة كانت على وشك الابحار وتبعد ما يقارب كليومتر من الشاطئ.
* ظل الحريق يواصل اندلاع نيرانه في الباخرة ومن عليها وأخذ الركاب يلقون بأنفسهم في البحر محاولين النجاة من لهيب النار، فمنهم من كان يجيد السباحة فنجا بالاتجاه الى البواخر القريبة من الموقع، ومنهم من غرق في الحال لعدم معرفته السباحة ، ومنهم من التهمته أسماك القرش المفترسة.. فكانت بحق كارثة مأساوية عاشها بحر جدة الذي أضاءت ليله النيران المشتعلة في الباخرة المنكوبة واستمر الاحتراق عدة أشهر حتى لم يبق من الباخرة شيء قابل للاشتعال وكانت حرارة النيران تؤثر على الركاب المتجهين بالسنابيك أو اللنشات الى بواخرهم التي تقلهم الى بلدانهم.. وظلت هذه الحادثة بكل تفاصيلها المؤلمة حديث الناس وخاصة اهل جدة وأهل الحديدة حيث فقد فيها جمع كبير من الحجيج الذين كان بعضهم تربطه صلة قربى وصلة رحم مع بعض اهالي جدة.. وبقيت الباخرة في موقع احتراقها ببحر جدة كمعلم تاريخي وشاهد مادي على ماساتها يتذكرها الناس كلما مروا بها ذهابا وإيابا إلى ان تم سحبها من موقعها قبل سنوات قليلة مضت.
المصدر جريدة المدينة