المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : الصيف وسلبية الفراغ ( نقاش وحلول )


الصقر الحميدي
06-11-2008, 12:58 PM
مع موسم الإجازات يشكو الكل من الفراغ وسلبية الأبناء، وعند التأمل نجد أن الآباء هم المسؤولون عن

تلك السلبية لغياب دورهم الفاعل حيث ان واجب الآباء والمربين وضع البرامج وتوضيح الممارسات

المساعدة للخروج من تلك الأزمة.



إن تحديد الأهداف ووضع البرامج وتيسير النشاطات، كل هذا يعني وضع أقدام النشء على طريق العمل

الهادف والإيجابية المثمرة، فالإيجابية تعني تعبئة القوى كلها للوصول إلى هدف نبيل وتمايز، فمن معالم

الإيجابية الصحيحة أنها تضفي على صاحبها قوة تظهر في قوله وفي سلوكه العام، فإذا عمل كان قوياً

في عمله، وإذا تعلم كان راسخاً في علمه، فهو لا يعرف التردد ولا الانسحاب.





إن الإيجابية تعني ببساطة قوة الإرادة، وروح المبادرة.



والحق أن فضيلة الإيجابية ترتكز في نفس النشء كغيرها من الفضائل على عقيدة التوحيد، فكل شاب

مؤمن شخص رفيع القدر، يستمد منزلته من دينه، وصاحب المنزلة العالية لا يرضى إلا أن يكون صاحب

عمل، بل صاحب تمايز.



أما السلبية فهي على العكس تماماً، فهي تعني الفرد الضعيف الذي يتثاقل في كل أمر، الفرد البارد

الذي ينسحب من كل ميدان، تعني شخصاً قليل الإنتاج، يكفيه ما تعود عليه، فإذا طُلب منه شيء فإنه

ينسحب على عجل، لأنه لا يريد القيام بأي عمل.



مثل قرآني


والقرآن يعطينا المثل، فقد ضرب الله تعالى المثل بين الإيجابي والسلبي في سورة النحل، قال تعالى:



“وَضَرَبَ اللهُ مَثَلا رَجُلَيْنِ أَحَدُهُمَا أَبْكَمُ لا يَقْدِرُ عَلَى شَيْءٍ وَهُوَ كَل عَلَى مَوْلاهُ أَيْنَمَا يُوَجهْهُ لا يَأْتِ بِخَيْرٍ هَلْ

يَسْتَوِي هُوَ وَمَنْ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَهُوَ عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ”. (النحل 76)



“وَهُوَ كَل عَلَى مَوْلاهُ” يقول الفخر: أي ثقيل عالة على وليه أو سيده “أَيْنَمَا يُوَجهْهُ لا يَأْتِ بِخَيْرٍ” أي حيثما

أرسله سيده لم ينجح في مسعاه لأنه أخرس، بليد، ضعيف”.



فمثل السلبي في تلك الآية مثل الأبكم - أي الأخرس - فالإنسان السلبي يعيش صفراً في المجتمع،

وهو صفر في ميزان الإسلام، إنه عَدم، لأنه لا يقدر على فعل شيء.





ونلاحظ أن الآية لم تذكر كلمة سلبي، ولكن جاء التعبير بكَلّ، والكَل معناها أقوى من كلمة سلبي، كَل

معناها أن الفرد عبء على والديه، عبء على المجتمع، معناها إنسان عاطل تثاقلت القيود في يديه

ورجليه فلا يحسن صنع شيء.



ثم الآية تخبرنا وتتساءل: “هَلْ يَسْتَوِي هُوَ وَمَنْ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَهُوَ عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ”، يقول الإمام ابن

كثير: أي هل يتساوى هذا الأخرس، وذلك البليغ المتكلم بأفصح بيان، وهو على طريق الحق

والاستقامة”؟



هل من المعقول أن يتساوى هذا وذاك؟



هل يستوي الولد النشيط في البيت المساعد لوالديه، والولد الخامل الكسول الانسحابي؟



هل تستوي الفتاة التي تقرأ وتطالع وتساعد أمها، والفتاة الكسولة صاحبة الاهتمامات التافهة؟!



هل تستوي الدول الضعيفة، التي تعيش عبئاً على غيرها، والدول العاملة الفعالة المنتجة؟



أسباب السلبية


فما أسباب السلبية؟ للسلبية أسباب كثيرة لا تُحصر، فالاكتفاء بالمستويات الدنيا من التفكير جعل الأبناء

مستودعات للقوانين والنظريات دون فهم، ومن ثم فمستويات التفكير العليا لا شأن لنا بها.



لا شك في أن طريقة التلقين هي من أكثر الطرق تخديراً للعقول وشل الحواس، نعم هي من أكبر

المخدرات الفكرية، وهناك أنواع عديدة من مخدرات العقول، منها الحرمان من سياسة الحوار والمناقشة،

فعلى الولد أن يتخارس أمام والديه، وألا يهمس بكلمة أمام معلميه، وأيضا الحرمان من الغذاء الفكري

الصحي المستنير، والاكتفاء بإفساح المجال لأفكار كُلية جامدة، لا تخاطب العقل، ولا ترقق السلوك، مع

الاكتفاء بحفظ المتون والكتاب المدرسي، فلا مجال للنظر في المراجع المختلفة، أو البحوث المساعدة.





وهناك عامل بالغ الأثر، يتمثل في قيام الوالدين بكل متطلبات العمل ومسؤوليات البيت، فالنشء لا يُعطى

فرصة كافية للمشاركة وتحمل بعض الأدوار الشخصية والاجتماعية ليكتمل عودُه، وتستوي مواهبُه.



وكذلك الإسراف في الخوف والاحتياط، فخوف الوالدين الزائد على أبنائهما، يؤدي إلى آثار سلبية خطيرة،

أهمها انعزال في الحياة، ومن ثم ضعف في الفكر، وفشل في العمل، والنتيجة المحتومة تعطيل

النشاط، وانعدام الحركة، وقلة الخبرة.



إن المتتبع للحضارة الإنسانية، يجد أن الإبداع الفردي، والإيجابية الذاتية، هما منبع الأعمال المتميزة،

وبداية الآفاق الحضارية، فمنذ فجر التاريخ كانت الاختراعات والابتكارات فردية. فمع أهمية روح الفريق،

يظل للفرد دوره المميز في إيجابية الأداء والتطور، لكن هذا يحتاج إلى خبرة، وممارسات وتدريب طويل،


وعند توفر ذلك سوف نلمح إجازات سعيدة، لأنها مليئة بالعمل والمتعة والإنجاز.